
ليس من الصعب أن تهاجم مسؤولاً في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي مفتوحة أمام الجميع، لكن الأصعب هو أن تنصف تجربة الرجل من خلال ما تحقق على أرض الواقع.
ومن هنا، فإن الحديث عن اللواء خالد ولد السالك، المدير العام للجمارك، ينبغي ألا يُختزل في منشور أو اتهام عابر، ولا في روايات تُلقى على الرأي العام دون وثائق أو أدلة. فالرجل يقود مؤسسة وطنية حساسة، وتقييم تجربته يجب أن يتم من خلال ما أنجزته الإدارة في عهده، وما طرأ على أساليب العمل والتكوين والرقابة والتحديث.
خلال الفترة الماضية، برز اهتمام واضح بتطوير العنصر البشري داخل قطاع الجمارك، من خلال التكوين والتدريب ورفع مستوى الجاهزية المهنية، إلى جانب تعزيز آليات التفتيش والرقابة وإدارة المخاطر، وهي ملفات لا تظهر دائماً في الصور والمنشورات، لكنها تمثل جوهر الإصلاح الحقيقي لأي إدارة جمركية حديثة.
كما شهدت المؤسسة خطوات في اتجاه تعزيز حضورها الميداني وتطوير بنيتها ومرافقها في عدد من المناطق، بما يخدم الرقابة الجمركية ويعزز قدرة الدولة على حماية حدودها ومصالحها الاقتصادية.
وفي زمن أصبحت فيه الرقمنة معياراً أساسياً لقياس تطور المؤسسات، فإن الاتجاه نحو رقمنة الإجراءات وتحديث أساليب العمل يمثل تحولاً مهماً، لأنه يقلل من التدخل البشري غير الضروري، ويرفع مستوى التنظيم والشفافية، ويساعد على بناء إدارة أكثر سرعة وكفاءة.
ولذلك، فإن تصوير الجمارك في عهد خالد ولد السالك باعتبارها مؤسسة لا تعرف سوى المحسوبية والفساد هو اختزال غير منصف لتجربة مؤسسة كاملة، ويحتاج قبل كل شيء إلى أدلة تثبت هذه الادعاءات.
أما الحديث عن مسابقة الاكتتاب الأخيرة، فإن آلاف الشباب الذين تقدموا لها يستحقون مسابقة نزيهة وشفافة، وهذا حق لا خلاف عليه. لكن النزاهة لا تُثبتها الشائعات، كما أن اتهام الإدارة بتوزيع المناصب مسبقاً يحتاج إلى دليل واضح يمكن التحقق منه.
والأصل أن ننتظر الإجراءات والنتائج الرسمية، ثم نحاسب وننتقد إذا ظهرت مخالفات، بدلاً من إصدار حكم مسبق على مسابقة لم يُعلن عن نتائجها بعد.
أما الاتهامات الأخرى المتعلقة برجال الأعمال وتلقي الأموال والتدخل في مصالح اقتصادية، فهي اتهامات خطيرة جداً، ولا يجوز تحويلها إلى حقائق ثابتة بمجرد نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي. من يملك دليلاً فليقدمه، ومن يملك وثيقة فليضعها أمام الجهات المختصة، فالرقابة الحقيقية لا تخشى الوثائق ولا التحقيق.
إن الدفاع عن اللواء خالد ولد السالك لا يعني القول إنه فوق النقد، ولا يعني أن إدارة الجمارك لا تحتاج إلى مزيد من الإصلاح. بل على العكس، المسؤول العمومي يجب أن يبقى دائماً تحت رقابة القانون والرأي العام.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن تُذكر الإيجابيات إلى جانب السلبيات، وأن تُقاس التجارب بالوقائع لا بالانطباعات.
لقد اختار بعضهم أن يبدأ الحديث عن خالد ولد السالك من الاتهام، بينما يمكن للآخرين أن يبدأوا من سؤال مختلف:
ماذا تغير داخل الجمارك؟
هل تطورت مجالات التكوين؟
هل تعززت الرقابة والتفتيش؟
هل توسعت إدارة المخاطر؟
هل تطورت البنية والمرافق الجمركية؟
هل دخلت الرقمنة إلى مزيد من الإجراءات؟
هل أصبحت المؤسسة أكثر حضوراً على الحدود وفي الميدان؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش.
فالاختلاف مع مسؤول حق، وانتقاده حق، والمطالبة بالشفافية حق، لكن تحويل كل اتهام إلى حقيقة أمر آخر.
وخالد ولد السالك، في نهاية المطاف، ليس بحاجة إلى حملة لتجميل صورته بقدر ما تحتاج تجربته إلى أن تُقرأ بهدوء، وأن توضع إنجازاتها وإخفاقاتها أمام الرأي العام، بعيداً عن التصفية الشخصية وعن الأحكام المسبقة.
قد يختلف الناس حول الرجل، لكن لا ينبغي أن يختلفوا حول قاعدة واحدة: لا إدانة بلا دليل، ولا إنصاف بلا اعتراف بالإنجاز.
والجمارك مؤسسة للدولة، وستظل كذلك، أما المسؤولون عنها فيأتون ويذهبون، وتبقى المحصلة الحقيقية هي ما تركوه من إصلاح وتطوير وخدمة للمؤسسة والوطن.
ومن حق خالد ولد السالك أن يُنتقد، لكن من حقه أيضاً أن يُدافع عنه حين تتحول الاتهامات غير الموثقة إلى أحكام جاهزة.
وفي النهاية، الإنجازات لا تحتاج إلى صراخ كي تتحدث؛ يكفي أن تُوضع أمام الناس، ثم يُترك لهم الحكم.
الصحفي بباي البخاري



